لم يكن “مصحف النجف” مجرّد طبعة جديدة من القرآن الكريم، بل هو مشروع حضاري متكامل، تجلّت فيه أعلى معايير الخط العربي، والدقة الطباعية، والضبط العلمي.
وقد اضطلعت العتبة العباسية المقدسة بدورٍ محوريّ في إنجاز هذا العمل، إذ تبنّت مشروع الخط والطباعة، وسخّرت له خبراتها الفنية والتقنية، لتقدّم مصحفًا يليق بمكانة القرآن الكريم، ويعبّر عن هوية العراق الثقافية والدينية.
اعتمد المشروع على خطاطٍ يرسم الحروف بروحٍ فنيةٍ أصيلة، مستلهِمًا مدارس الخط الإسلامي العريقة، مع الحفاظ على وضوح النص وسهولة قراءته.
ولم يتوقف التميّز عند الخط، بل امتدّ إلى مراحل المراجعة والتدقيق، إذ خضع المصحف إلى مراجعات دقيقة من قبل لجان علمية متخصصة في علوم القرآن والقراءات، لضمان سلامة النصّ وخلوّه من أي خطأ.
أمّا في جانب الطباعة، فقد وظّفت العتبة العباسية أحدث التقنيات الطباعية، لتقديم مصحفٍ يتميز بجودة الورق، ودقة الألوان، وثبات الحبر، بما يضمن بقاءه لسنوات طويلة من دون تأثّر أو تلف. فجاء “مصحف النجف” تحفةً فنيةً ومعرفية، تجمع بين الجمال البصري والضبط العلمي.
ولعلّ من أبرز ما أضفى على هذا المشروع بُعدًا روحيًّا ومعنويًّا كبيرًا، هو مباركة المرجعية الدينية العليا لهذا العمل، ودعمها له، ما منح المشروع شرعيّةً دينيةً وثقةً مجتمعية واسعة.
فحين تبارك المرجعية عملًا، فإنّها لا تمنحه الغطاء فحسب، بل تضيف إليه بُعدًا من الطمأنينة والقبول لدى المؤمنين.
إنّ “مصحف النجف” ليس مجرد إنجاز طباعي، بل هو رسالة ثقافية وروحية، تؤكّد أنّ العراق، رغم كل التحديات، ما زال قادرًا على إنتاج مشاريع نوعية تخدم القرآن الكريم وتُعلي من شأنه.
وهو أيضًا تجسيدٌ حيّ لتكامل الأدوار بين المؤسّسات الدينية، حيث تلتقي جهود العتبة العباسية مع توجيهات المرجعية، في مشروعٍ واحد يخدم الأمّة.
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات، يبقى القرآن الكريم هو الثابت الذي تستمد منه الشعوب هويتها، ويأتي “مصحف النجف” ليكون شاهدًا على هذا الثبات، وعلى أنّ في العراق رجالًا ومؤسّساتٍ يحملون هذا النور، ويصوغونه بحروفٍ من إتقان، وروحٍ من إيمان.
- الكاتب عدي المختار
