قال الله تعالى: {وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ}
تتنافس الدول الإسلامية في نيل شرف طباعة كتاب الله العزيز، إذ لا يُعدّ ذلك مجرّد عملٍ طباعي، بل هو انتماءٌ عمليّ إلى رسالة القرآن الكريم، واصطفافٌ في خدمة النور الذي به حياة الأمّة وهداها.
وقد أشار إلى عظمة هذا الكتاب العزيز ودوره الشفاعي الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «واعلموا أنّه شافعٌ مشفّع، وقائلٌ مصدّق، ومن شفع له القرآن يوم القيامة شُفّع فيه»، ليكون الارتباط بالقرآن الكريم شرفًا يتجاوز حدود الدنيا إلى مواقف الآخرة.
وإذا كان هذا الشرف عامًّا لكل من يخدم القرآن الكريم، فإنّه يتجلّى بخصوصيةٍ أعمق حين يرتبط بمدينة النجف الأشرف، مدينة أمير المؤمنين (عليه السلام(، التي تمثّل حاضرة العلم والإيمان، ومهوى أفئدة المؤمنين عَبرَ العصور.
كما يزداد هذا الامتياز رفعةً حين يكون العمل تحت رعاية المرجعية الدينية العليا، التي تمثّل الامتداد الحيّ لخطّ الهداية، والحارس الأمين على ثوابت الدين، فتنعكس هذه الرعاية على العمل روحًا ومنهجًا وأصالة.
ويكتسب مصحف النجف الأشرف بعدًا معنويًّا مميّزًا بما خُطّت به صفحاته من أناملٍ تشبّعت بروح الفداء والوفاء، مستلهمةً من سيرة أبي الفضل العباس (عليه السلام) خدمته الخالدة للدين؛ فكما نذر العباس (عليه السلام) يديه نصرةً للدين، نذرت هذه الأيدي خدمتها له، فامتدّت في صفحات المصحف نورًا وخطًّا، يجسّد صدق الانتماء وعمق الوفاء.
أمّا من الناحية الفنية، فإنّ المتأمّل في صفحات مصحف النجف الأشرف يلحظ تناغم الحرف وجمال الخط، وأصالة الزخرفة وبهائها، فيجد القارئ نفسه في رحلةٍ بصريّةٍ وروحيّةٍ بين آياتٍ تتلألأ نورًا، وكأنّها دوحةٌ غنّاء تفيض بالسكينة والجمال.
وهكذا، لا يكون مصحف النجف الأشرف مجرّد طبعةٍ من كتاب الله، بل هو تجلٍّ جامعٌ بين القداسة والمعنى، وبين الفنّ والروح، ليحمل خصوصيةً تميّزه، وتجعله شاهدًا على عراقة هذه المدينة المباركة، وعمق ارتباطها بالقرآن الكريم.
* الشيخ قدامة الخضري
