شبكة الكفيل العالمية
الى

مركزُ تراث الأنبياء (عليهم السلام) يُقيم ملتقاه التبليغيّ النسويّ الثاني بالتعاون مع جامعاتٍ نسويّة

تحت رعاية العتبة العبّاسيّة المقدّسة وبالتعاون مع جامعة النجف النسويّة وجامعة أمّ البنين(عليها السلام) التابعة للعتبة المقدّسة، أقام مركزُ تراث الأنبياء(عليهم السلام) التابع للعتبة المقدّسة المُلتقى التبليغيّ النسويّ الثاني.

المُلتقى الذي أُقيم على قاعة الإمام الحسن(عليه السلام) للمؤتمرات شهد حضور المتولّي الشرعيّ للعتبة العبّاسية المقدّسة سماحة السيد أحمد الصافي (دام عزّه) وعددٍ من مسؤوليها من أعضاء مجلس الإدارة الموقّر ورؤساء الأقسام، فضلاً عن شخصيّاتٍ علمائيّة مهمّة وجهاتٍ ومؤسّساتٍ نسويّة.

مسؤولُ مركز تراث الأنبياء الشيخ حسين الترابي بيّن في حديثه لشبكة الكفيل قائلاً: "أُقيم هذا المُلتقى لجميع المبلّغات والطالبات، وكانت هناك دعوةٌ للجهات النسويّة في العتبات لحضور هذا المُلتقى قبل شهر محرّم وصفر، وذلك لمناقشة أهمّ محاور التبليغ وكيفيّة الاستفادة من توجّه المجتمع في موسم الأحزان".
سماحة المتولّي الشرعيّ للعتبة المقدّسة (دام عزّه) كانت له كلمةٌ في الملتقى جاء فيها:
(إخوتي السادة الأكارم أخواتي المؤمنات.. السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.
بدءً أحيّيكم وأسأل الله سبحانه وتعالى بمن نحن بجواره أن يرزقنا وإيّاكم الموافاة على محبّة النبيّ وآله، وأن لا يُخرجنا من هذه الدنيا حتّى يرضى عنّا، وأيضاً الشكر الموصول للإخوة الأعزّة في جامعة أمّ البنين وجامعة النجف والحضور الكريم في هذا اليوم، استعداداً لشهر الإمام الحسين(عليه السلام) شهر محرّم الحرام.
أبدأ معكم بحديثٍ لغرض تبيان بعض النقاط والحقائق التي قد لا يكون معظمها غائباً عنكم، لكن من باب التذكير أو الضرورة لبيانها.

النقطة الأولى: الإمام الحسين(عليه السلام) فعل شيئاً كبيراً وتبنّته السماء في بقاء دين جدّه المصطفى(صلّى الله عليه وآله)، لذا في مقام الحاجة الإمام الحسين(عليه السلام) ليس بحاجةٍ حقيقيّة لنا، لأنّ المتاجرة عندما تكون مع الله تبارك وتعالى قطعاً الإنسان هو الذي يربح، والإمام الحسين(عليه السلام) تاجر مع الله تعالى، والنبيّ(صلّى الله عليه وآله) يقول: (حسينٌ منّي وأنا من حسين)، فما دامت الرسالةُ باقية حتّى يرث الله الأرض ومن عليها فالإمام الحسين(عليه السلام) باقٍ، فعلى نحو الواقع هناك وعدٌ إلهيّ وهو لابُدّ أن تنتصر مبادئ الإمام الحسين(عليه السلام)، بل في الزيارة الشريفة عندما نزور الإمام الحسين نقول: (السلامُ عليك يا ثار الله)، وأنتم تعلمون أنّ "ثار" نكرة وإذا أُضيفت تُعرّف، من جملة موارد التعريف بالإضافة -كما يقولُ علماء النحو- هذا الثأر أُضيف الى الله، الى مطلق والى شيءٍ غير محدود، فالله تعالى هو الذي يتبنّى ويتكفّل بثأر سيّد الشهداء(عليه السلام)، وكمعادلةٍ بسيطة عندما نرجع الى بعض الزيارات يدعو الزائر أنّه يكون مع إمامٍ منصور من أهل بيت محمّدٍ(صلّى الله عليه وآله).
وثار الله تعالى لابُدّ أن يتبنّاه الله تعالى، وقطعاً عندما يتبنّاه الله لابُدّ أن يُرسل شخصاً هو له علاقة بالله تعالى وهو غير مكذّب، وفي عقيدتنا أنّ الإمام المهديّ(عليه السلام) هو الطالب بالثأر، وفي بعض الزيارات نعرّفه بهذا التعريف وهذا مبدأٌ نتّفق عليه.
النقطة الثانية: أنّ إزاء هذا نحن مأمورون أن نحيي مناسبات الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)، أيضاً هناك حثّ في الروايات الشريفة على إحياء مناسبات الأئمّة(عليهم السلام)، بل هناك تأكيد بوجود أكثر من خمسمائة رواية تتعلّق بسيّد الشهداء (زيارة وبكاء وإحياء ومجالس)، وهذا الحثّ الكبير من الأئمّة(عليهم السلام) يدفعنا إلى أنّ هناك أمراً شرعيّاً على نحو الحثّ الكثير والكبير، في أن نحيي شعائر أو مناسبات أهل البيت(عليهم السلام).
النقطة الثالثة: من الذي يُحيي هذه الشعائر؟ هناك سامع وهناك مُحيي وذاكر لفضائل الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)، وأنتم بحمد الله تعالى دخلتم في بعض القنوات الفقهيّة العقائديّة الأخلاقيّة التي بدأتم تتحسّسون وجود حاجة الى أن تتصدّوا لمسألة الإحياء، والمتعارف عنها الآن بتسمية التبليغ، وطبعاً لا يخفى على حضراتكم التبليغ عبارة عن مهمّة أساسيّة من مهمّات الأنبياء(عليهم السلام)، النبيّ هو الذي يبلّغ أحكام الله تبارك وتعالى، الإنسان عندما يتصدّى للتبليغ لابُدّ من توفّر بعض القواعد لعمليّة التبليغ.
فالآية الشريفة المباركة تقول: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، هذه ثلاث حالات سأتكلّم بشكلٍ سريع فيها حتّى نخرج من المطلب.
أوّلاً لاحظوا الحثّ الإلهيّ (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ) طبعاً الخطاب للنبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وفي عبارتنا في تنقيح الخطاب يشمل كلّ ما يتعلّق بهذه الدعوة، مطلوبٌ منّا أن ندعو الى سبيل الله (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ)، أوّل نقطة لابُدّ أن نعرف سبيل الله، ونحن في عقيدتنا الإماميّة أنّ سبيل الله واضحٌ في المبادئ العامّة، نعم.. هناك جزئيّات قد تلتبس على بعضنا بحسب قدرته على فرز الأشياء والأحداث وحسب قدرته على فهم الأمور، أمّا المبادئ العامّة فهي واضحة، فالإمام الصادق(عليه السلام) يقول: (إنّ أمرنا أبين من الشمس) أي كما أنّ الشمس واضحةٌ لكلّ ذي عينَيْن كذلك أمرنا واضح في المفاهيم العامّة وفي الأطر العامّة، طبعاً هناك من المدّعين كثير، أناسٌ يدّعون ما ليس لهم وهذه موجودة ولا تنتهي، هذه تعتمد على قدرة كلٍّ منّا في تشخيص بعض الخلل، ولذلك الحديث الشريف يقول: (اعرف الحقَّ تعرفْ أهله)، فلابُدّ عندما ندعو الى سبيل الله (سبيل ربّك) لابُدّ أن نعرف السبيل، تفاصيله الآن قطعاً ليست في هذه الجلسة لأنّها غير معقودة الى ذلك الغرض، المفترض من الأخوات جميعاً أن يكنّ متهيّئاتٍ الى قضيّة، وهي أنّه عندنا مجموعة من السامعات ينتظرن هذه الخطيبة الفلانيّة أو المبلّغة الفلانيّة، وجاءت هذه المبلّغة والمنبر موجود وبدأت تقرأ، بدأت تبلّغ لعشرين أو ثلاثين أو مائة امرأة، هؤلاء الأخوات جئن وقطعن مساحةً من وقتهنّ وحضرن في خدمة هذه المبلّغة، والآن تحت منبر المبلّغة لمدّة ساعة هذه السامعة وضعت عقلها ونفسيّتها ووقتها أمام الأخت التي ستبدأ بالتبليغ.
الآية الشريفة تقول: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ) ما هي وسائل الدعوة؟ كيف أنا أدعو الى وسائل الدعوة؟ أوّل نقطة نأتي الى مسألة الحكمة قال: (بِالْحِكْمَةِ)، والتفتوا الى نقطةٍ جدّاً مهمّة وهي أنّ الحكمة ليست أمراً سهلاً، أن الإنسان يكون حكيماً ليس أمراً سهلاً لكن ليس أمراً معقّداً، والحكمة تختلف عن الأمر الصحيح، ليس كلّ أمرٍ صحيح أن يكون حكيماً، لكن كلّ أمرٍ حكيم قطعاً يكون صحيحاً، سأستعين بشاهد وهو سيرة النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، نحن بعقيدتنا هو نبيٌّ من الولادة، النبيّ في مكّة من (40) سنة موجود، وعندما فتح عينه المباركة على الدنيا وجد الأصنام حول البيت الحرام وفي داخله، وقطعاً إزالة الصنم من مركز التوحيد هذا أمرٌ صحيح، لكن قد لا يكون أمراً حكيماً، -التفتوا- الله تبارك وتعالى لم يأذن بذلك الى أن بلغ النبيّ الأربعين، بعد ذلك أصحر في الرسالة وبالذات (23) سنة من معاناته وفتح مكّة وأُزيلت الأصنام، أمّا لو افترضنا شخص النبيّ استعان بأحدٍ استأجره هو بنفسه الشريفة مع أمير المؤمنين وذهبوا الى تكسير الأصنام قبل البعثة، قطعاً تكسير الأصنام في مكّة أمرٌ صحيح، لأنّ هذا خلاف التوحيد، والله أوحى الى نبيّه إبراهيم أن يبني هذا البيت لأنّه مركز التوحيد في الأرض، ولكن لو فعل النبيّ هذا لم يكن هذا أمراً حكيماً -وحاشاه-.
الحكمة تقتضي أن ألتفت الى حديثي وفعلي في وقته، بحيث أنا عندما أتكلّم أفكّر بهذا الكلام قبل أن أتفوّه به، ولذلك قيل (لسان العاقل وراء قلبه)، عندما أتكلّم وهذا الكلام يؤثّر سيكون كلامي حكيماً، نحن الآن عندما نأتي الى بعض الأخوات في المجلس، فلانة تضحك وفلانة غير مكترثة وأنا أريد أن أصحّح الحالة، فإذا واجهتها بكلامٍ مباشر قد يكون هذا خلاف الحكمة، أفقد بعض عناصر دخولي الى الجنّة، كلٌّ منّا محلّ ابتلاء أمام صاحبه الى الجنّة، أنا الآن إذا أصون أخي في غيبته وأحفظ حرمته ولا أتكلّم عنه، هذا سبب من أسباب دخول الجنّة، لكن إذا كنت أستهزئ به وإذا أتكلّم عنه وفي قلبي أحمل غيظاً وحقداً له هذه من المُبعدات، إن أدركتني رحمة الله فبها وإن لم تدركني أقع، فالحكمة في التصرّف أن أتعامل مع المستمع بشكلٍ كما أتعامل مع نفسي أوّلاً، وهناك حجّة إخواني علينا لأنّ هذا المستمع إذا كان جاهلاً، فأنا كنت جاهلاً فلابُدّ أن أعذر فيه ما أعذر في نفسي قبل التعلّم.
عندما أتعامل أتعامل بواقعيّة، والنقطة الأهمّ من ذلك أنّ الكلام في بعض الحالات يكون سهلاً، فيحتاج حافظة، والإنسان يتكلّم لكن تطبيق هذا الكلام بواقعيّة عليّ متى يكون؟ أنا أتكلّم مع الناس أقول: صلّوا صلاة الليل، قد أكون أنا لم أصلّ صلاة الليل في حياتي، هذا الكلام لا أقول ليست له قيمة لكن أقول هذا الكلام تأثيرُه قطعاً سيكون قليلاً، فرق عندما أتكلّم بواقعيّة وأنا أمارس هذا العمل وأريد الآخرين أن يمارسوه، فرقٌ بيني وبين أن أتكلّم وأنا لم أفهمه أصلاً، أنا كمربّي يفترض فعلاً أن تكون عندي علاقة بيني وبين الله تعالى، أنا فعلاً أحسست بالبكاء بين يدي الله تبارك وتعالى فأوصي الناس أن اقرأوا دعاء التوبة، فعلاً لابُدّ أن نقرأ دعاء التوبة، أوصي الناس أن تعرف الحسين(عليه السلام) أنا يجب أن أعطي لنفسي وقتاً حتى أعرف الحسين(عليه السلام)، هذه الأشياء إذا أنا مارستها في داخلي قبل أن أتصدّى، طبعاً الشيطان سيأتيني ويقول الناس تحتاج اليك، ويجعلني أندفع، وإنّ إصلاح المجتمع ضروريّ، وأنا غير مهيّأ، لابُدّ أن أحصل على مرتبة أولى من النضوج ثمّ أبدأ.
هذه الجامعة بكلّ ما تعني الكلمة من سعتها الغرض منها تهيئة حالة من النضوج الأوّلي لكلّ أخت تريد أن تتصدّى، قد تكون ليست لها علاقة بالنتيجة وربّما تأتي بالفقه كذا درجة وبالمنطق كذا درجة، لكن بالأطر العامّة والمعلومة العامّة أنت عندك واقعيّة، غير معلوم التي أخذت مائة أقرب الى الله من التي أخذت خمسين، الله تعالى له مقاييس في أن يقبل عملنا، هذه المقاييس الإلهيّة مطلوبة، الله تعالى يتعامل معنا بصدقيّة وبواقعٍ من عندنا، الله يريد قلباً ويريد عملاً خالصاً له، إذا كان القلب ليس له والعمل ليس له فالله تعالى يقول هذا العمل لزيد أنا أتنازل وأعطيه لزيد، زيد ينفعك يوم القيامة أو لا؟! تقولون بعض القضايا صعبة، نعم.. لكن نحاول، الإنسان إذا حاول أن يبدأ بدايةً جديدة فالله يعنيه، (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا)، لابُدّ أن تكون لدينا حكمة في التصرّف، أنا هذا السامع الذي أمامي بثقافته بيني وبين الله لابُدّ أن أدعو له في خلواتي، هذا نقل أقدامه لموقعٍ يريد أن يحيي ذكرَ الحسين(عليه السلام)، لابُدّ أن أجعله في ركبي وفي ساحتي.
إضافةً لما تقدّم يجب أن تكون عندي محبّة لما أقول، والمحبّة حالة من الالتذاذ، (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، والمحبّة مع الله لا تجوز من طرفٍ واحد، تعرفون أنّ بعض الأفعال تحتاج مجانسة حتّى يتحقّق الغرض، مثلاً الإنسان يحبّ حائطاً يحبّ شجرةً هكذا مجرّد قلبه تعلّق بها وفائدتها فقط للاستئناس، أمّا أن يترتّب عليها أثر لا، أمّا الإنسان إذا أحبّ الله تعالى والله -والعياذ بالله- لا يحبّه لأنّه يأتي بأعمال مخالفة لما يريد الله تعالى، فالقرآن جعل هناك شرطاً (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) إذ اتّبعتموني يتحقّق الذي اتّبعوه، وهو أنّ الله يحبّه، والله إذا أحبّ عبداً من عباده لا يضرّه شيء، أنتم تتوقّعون أنّ الله تعالى يحبّ أحداً وهذا فيه ضرر؟ أو النبيّ إذا أحبّ أحداً عليه ضرر؟ الإمام الحسن أو الزهراء إذا أحبّت أحداً، هذا التسلسل الترتيبيّ مطلوبٌ لدينا، النبيّ والإمام أمير المؤمنين والزهراء لا يحبّون جزافاً، لابُدّ من أسباب حتّى تحبّ، إذا سألتَ الزهراء وقالت: إنّي أحبّ فلانة وفلانة، ضَمِنت فلانة وفلانة محبّة الزهراء وضمنت رضا الله، فالله تعالى يغضب لغضب الزهراء ويحبّ لحبّ الزهراء، فهذه المحبّة يجب أن تكون مقرونةً بمحبّة الله تعالى.
بعض الآيات تتحدّث عن نعيم الجنّة، ونحن نقرأ عنها وعن هذا النعيم الذي لا يخطر على بالنا، لكن بعض الآيات الشريفة تقول (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ)، الله إذا رضي فهذا الرضا يكون أكبر من النعيم الآخر، لأنّ هذا مرتبطٌ بالله تعالى بشكلٍ مباشر، فهذه النقطة الأولى، مع الاهتمام الشديد بالتبليغ، قواعد التبليغ لابُدّ أن نحصل على هذه المرتبة بالحدّ الأدنى.
النقطة الثانية: (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) ما معنى الموعظة؟ هي نحو من التذكير، أنا أتذكّر أو أذكر من علمائنا الأطهار أنّه كان الشيخ الأنصاري أستاذ العلماء والمجتهدين، والحوزة العلميّة الآن هي مبتناة على أفكاره، وحياته كانت عبارة عن التدريس ومجاور لأمير المؤمنين، كان إذا تعب من الدرس يثب الى بعض الأجلّاء الذين يتصدّون الى القراءة، ويقول: حتّى نزداد، فقلوبُنا قست حتّى يعظنا، الموعظة نحو من التذكير والالتفات، هذه الموعظة الحسنة عندنا بعض التعابير في الحوزة ليس بالنتيجة أن تكون موعظة حسنة، قد تكون هي الموعظة حسنة لكن عمليّاً بغضّ النظر عن الآية بعض أناسنا يُخطئ في أن يعظ الناس، يستخدم أسلوباً غليظاً، والغلظة مرفوضة، فالله تعالى لم يرضها عن النبيّ وإنْ لم تكن فيه (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ...) لاحظوا (...لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) يكون هذا نقض الغرض للرسالة، النبيّ عليه أن يبلّغ من يهتدي فبها ومن لم يهتدِ فالله غنيٌّ عن العالمين، لكن وظيفته أن يذكّر ويبلّغ، الشارع المقدّس يقول هذه الصفات يجب أن لا تكون وهي لم تكنْ فيه، النهي هنا ليس دائماً أن تكون الصفة موجودة حتّى ينهى عنها وإنّما هو نوعٌ من التحذير وهذا له مطلب، المقصود (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) عمليّاً توجد موعظة غير حسنة، إنسان مثلاً يأتي الى الناس يصرخ في وجوههم لأنّهم يرتكبون بعض التصرّفات، وهذا يتعامل معهم بطريقة ينفّرهم من الدين، وهذه موعظة غير حسنة وقد يكون الإنسان سبباً لنفرتهم.
في روايةٍ في الكافي عن الإمام الصادق(عليه السلام) بشكلٍ مجمل، كان هناك شخص من المسلمين تعرّف على شخصٍ من غير المسلمين، فحاول أن يعرض عليه الدين، أوّلاً جاء به الى صلاة الفجر في المسجد وبقي الى أن انتهت الصلاة، وبقي الى الظهر وجاءت صلاة الظهر وأبقاه في المسجد، لغرض عرض الدين عليه، في آخرها فجراً جاء له فقال له: اذهب وجدْ شخصاً آخر غيري، الإمام الصادق(عليه السلام) يذكر يقول: فقط أدخله وأخرجه، لماذا؟ لأنّ هذه الطريقة غير صحيحة، أنتم تعرفون أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) تعامل مع أعراب، يعني مع أناسٍ بعيدين عن الأخلاق، غليظين وكانوا يتكلّمون بكلامٍ يسيءُ للنبيّ(صلّى الله عليه وآله)، والبعض منهم كان يعيّر النبيّ، يقولون: هو أُذن، يعني أيّ شخصٍ يتكلّم معه يسمعه، فلان قال، فلان خانكم، جبرئيل نزل، قال ترى أنّ فلاناً عنده خيانة، أرسل له قال له: أنا لم أخنْ. قال: صحيح، يعيّرون النبيّ، جبرئيل يقول له، يقول: صحيح. أنا أقول له يقول: صحيح. القرآن يعتبر هذه من الأخلاق، يقول: (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ) ويفترض أن يقيم عليك الحدّ، هو لم يصدّقك بل تظاهر الصدق وهذه أخلاق عالية.
الإنسان الغافل ليست صفة جميلة، لكن يتغافل هي أخلاق، إنسانٌ ينسى دائماً غير جميل لكن يتناسى فهي من الفضائل، يتغابى وهو ليس بغبيّ، فلان تكلّم عليه أنا أسمعه أتظاهر أنّي لم أسمعه هذه من الفضائل، لا أبقى حافظاً له وعندما يأتي الوقت أنا أظهرها له، فهذه ليست لها علاقة بأخلاق النبيّ وآله.

أميرُ المؤمنين(عليه السلام) في حربٍ مهمّة غيّرت مجرى التاريخ مسك الماء، قال: الماء لم نمنعْه على عدوّ اشربوا الماء، وهم عندما أمسكوا الماء منعوه عنه، الحسين(عليه السلام) مسك الماء قال: تفضّلوا، وهم عندما مسكوا الماء منعوه، منهج أمير المؤمنين يختلف عن مناهج البقيّة، التحلّي بأخلاقهم هذا مطلوبٌ من عندنا في مقام التصدّي للخدمة.
مقام الإمام الحسين(عليه السلام) مقامٌ عظيم، الزيارة الجامعة للإمام الهادي في أواخر حياة الأئمّة(عليهم السلام) فيها مقاماتٌ كثيرة، خذوا مقطعاً وبيّنوه للناس بطريقةٍ معيّنة، الإمام يقول: (الناس لو سمعت محاسن كلامنا لاتّبعونا)، لابُدّ نحن أن نكون زيناً لهم فقد جاء في الحديث (كونوا لنا زيناً ولا تكونوا علينا شيناً)، (يا فلان -والكلام للإمام- ليس منّا ولا كرامة مَنْ كان في مصرٍ فيه مائة ألف وكان فيهم من هو أورع منه)، الإمام يبيّن أنّ من كان في مدينةٍ أو في قريةٍ وفيها مائة ألف واحد وهناك شخص أورع منه فهذا نحن لا نريده، وذلك من باب الحثّ على الورع والتزام طريقة الأئمّة الهداة(عليهم السلام).
نسأل الله أن يوفّقكم جميعاً لما يحبّ ويرضى ونسألكم الدعاء إن وُفّقتم في أيّ موطنٍ، والله تعالى له في دهره نفحات أن تتعرّضوا لها، نسأل الله تبارك أن يوفّقنا وإيّاكم).


بعد ذلك كانت هناك كلمةٌ لأحد فضلاء الحوزة العلميّة في النجف الأشرف سماحة السيد جعفر الحكيم (دامت توفيقاته)، والتي مما جاء فيها"نيّةُ المعصومين ونيّةُ الأولياء تختلف عن النيّة العامّة، نحن نصلّي ونصوم ولا نكذب ولا نعصي، عندما نأتي ونسأل أنفسنا ما الذي جعلنا نتقيّد بهذه التعاليم؟ سواءً في الواجبات أو في المحرّمات بل حتّى في المستحبّات؟ بشكلٍ عامّ الخوف هو الذي يحرّكنا، وبدرجةٍ ثانية الطمع في ثواب الله تعالى وجزيل ثوابه وكرمه، هذا الذي نقرأه في دعاء الافتتاح (ولا تزيدُهُ كثرةُ العطاء إلّا جوداً وكرماً) هذا أيضاً يحرّكنا باتّجاه جملةٍ من المستحبّات لنيل مثل هذا اللون من الثواب والجزاء.
عندما نأتي للعلاقة مع أهل البيت(عليهم السلام) نلاحظ هنا تمام المعادلة معكوسة في علاقتنا المباشرة مع الله سبحانه وتعالى، قلنا إنّ النيّة العامّة التي تحرّكنا نحو التقيّد والالتزام بالواجبات والمحرّمات على خلفيّة الخوف والخشية من النار، أمّا في علاقتنا مع أهل البيت(عليهم السلام) نلاحظ تماماً أنّ المعادلة معكوسة، نحن نزور الأئمّة صحيح ونُقيم الشعائر بمختلف أشكالها، بأيّ منطق؟ أو ما هو المنطق الذي يحرّكنا نحو إقامة هذه الشعائر؟ إحياء الشعيرة بمختلف أشكالها بداخلها تتخلّلها المعاناة والتعب والمشقّة والإرهاق والذلّ وصرف المال، ما هو المنطق الذي يحرّكنا في علاقتنا مع أهل البيت(عليهم السلام) سواءً في مآتمهم أو أفراحهم؟.

وأضاف: المآتم التي تُقام لإحياء ذكراهم أو في الاحتفال بالمواليد، هنا لاحظ أنّ المنطق الذي يحرّك العامّة -عامّة الناس- هو منطق الحبّ والارتباط الوجدانيّ والروحيّ بأهل البيت(عليهم السلام)، لا منطق الخوف من شيء ولا منطق الطمع وإنْ وُجد، أحياناً الإنسان يبحث عن البركة في إحيائه للشعائر، عنده لون من الطمع في البركة وقضاء الحوائج، ولكن المنطق الغالب الذي يحكم علاقتنا مع أهل البيت(عليهم السلام) هو منطق الودّ ومنطق الحبّ ومنطق العلاقة الروحيّة، التي تصل في بعض مستوياتها الى حالة العشق والفناء فيهم (صلوات الله وسلامه عليهم).
هذا اللّون يجب أن نقف عنده فهو أيضاً فيه مستويات، العلاقة الروحيّة مع أهل البيت(عليهم السلام) أيضاً لها مستويات، تبدأ بالمحبّة التي قد تتطوّر وتتحوّل الى لونٍ من ألوان العشق والهيام، الإنسان الذي يكون خارج هذه المعادلة قد يلمس في بعض هذا اللون من التصرّفات يلمس بها حالةً لا نقول من الجنون ولكن غير قابلة للتفسير، لا يُحسن تفسيرها إلّا من يعيش هذه الحالة، وتترقّى هذه الحالة وتتحوّل هذه الحالة الى هويّة والى جزءٍ من هويّتنا، وهناك سؤال: لماذا هذا المنطق هو الذي يحكم علاقتنا مع أهل البيت(عليهم السلام)؟ الجواب: لأنّه يوجد فارق جوهريّ في التعاطي المباشر مع الله تعالى وفي التعاطي مع أهل البيت(عليهم السلام)، فهم مخلوقاتٌ بشريّة تخضع للتكليف مثلنا، وبالتالي نحن وجدنا شيئاً فيهم افتقدناه في عموم حياتنا، ما هذا الشيء الذي جعل هذا التعلّق وهذا الانشداد؟ (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) في الزيارة الجامعة الكبيرة هكذا يقول، ما الذي وجدناه في أهل البيت(عليهم السلام) الذي جذبنا لهم؟ وجعل تعاطينا معهم ومع الشعيرة التي تحيي ذكراهم بمنطقٍ مختلف عن صلاتنا وصومنا ومجمل عباداتنا.

وهذا يقودنا الى :
التوصية الأولى: سيّد الشهداء(عليه السلام) جاء وقد أرسل شيئاً في المذهب، فتح هامشاً في المذهب عريضاً، كيفيّة التعاطي مع الدولة ومع الحالة السياسيّة، هامش عريض فُتح للاجتهاد، ولكن يوجد ثابت أساسيّ وهو اسمه الممانعة، هذا حسّ الممانعة يجب أن يبقى محفوظاً، يعني يجب أن نستلم قضيّة سيّد الشهداء(عليه السلام) وأن نستلم فكرة الممانعة والرفض، هذا الذي أنا لا أقلق عليه الآن في وقتنا وأراه مشبعاً، (هيهات منّا الذلّة) اليوم محفوظةٌ من محفوظاتنا، (يأبى اللهُ لنا ذلك ورسولُه والمؤمنين وحجورٌ طابت وطهرت) اليوم حاضرة في أوساطنا، صيحات سيّد الشهداء(عليه السلام) والنداءات هذه التي قلت أوجدت فينا حسّ الممانعة، وأيضاً الواقع العمليّ يصدّق هذا عندما تعرّضنا لاهتزازٍ معيّن، لاحظنا المبادرة للدّفاع عن مقدّساتنا والمبادرة للدفاع عن الوطن، انبرى للدفاع عن الحرمات مَنْ هم أتباع سيّد الشهداء(عليه السلام)، هؤلاء من نقول عندهم حسّ الممانعة، لم نحتَجْ الى معاناةٍ كبيرة في إيجاد هذا الحسّ، أصلاً امتلأت مراكزُ التطوّع حتّى أُغلقت، فلم يعد يوجد استلام لمتطوّعين، هذا معناه أنّه يوجد شيءٌ صحّي موجود فعلاً، هذا حسّ الممانعة الذي تعلّمناه من الحسين(عليه السلام)، هذا قلت أنا لست قلقاً على هذا الجانب فهذا الجانب مشبع.التوصية الثانية: تنمية حسّ البناء، من أكبر الأخطاء التي نرتكبها أن نأتي فنصوغ قضيّة سيّد الشهداء(عليه السلام) بطريقةٍ تحوّل عقول أتباعه الى معسكرات قتاليّة، وهذا الخطأ ربّما موجود ونحتاج الى أن نغيّره بهدوء، يطلع الناتج أنّه نحن كُتِب علينا القتلُ والقتال أمّا البناء وإعمار الدنيا فهذه مسؤوليّة غيرنا، هذا خطأ استراتيجيّ إذا تصوّرناه، صحيح أنّ سيّد الشهداء(عليه السلام) لم يقدّم أطروحة في كيفيّة إعمار الدنيا وفي كيفيّة قيادة الدنيا، التمسها مساحةً اجتهاديّة لكن لم يأتِ ليحوّلها الى معسكراتٍ قتاليّة، من الخطأ الفادح أن نأتي نحن ونفهم أو نلخّص ظاهرة سيّد الشهداء وحركة سيّد الشهداء(عليه السلام) أنّها عبارة عن (علّمنا الثورة فقط)، سيّد الشهداء صحيح علّمنا الثورة وعلّمنا المقاومة، وقلت حسّ الممانعة أوجده فينا، ولكن ما كان هذا كلّ شيء، سيّد الشهداء(عليه السلام) جاء وقاتل من أجل الإمامة وهي مفهومٌ أشمل من مفهوم الثورة والمقاومة وغيرها.







لسنا نحن مشروع قتال أو مشروع شهادة أو شيء من هذا القبيل، ليس الاجتماع الشيعيّ عبارة عن معسكرات متحرّكة، وبالتالي هذا التصوّر خاطئ، نحن أيضاً أمامنا مسؤوليّات مرتبطة ببناء الحياة وبناء الدنيا، ولكن قلت وفق الطروحات الاجتهاديّة، وهذه أيضاً جزءٌ من مسؤوليّاتنا أن نعلّم الناس كيف ترتبط بالمراجع وترتبط بالمجتهدين، وتأخذ منهم الحكم الشرعيّ والتوجيه الشرعيّ في مجمل حياتهم، لا نبدأ في هذه العمليّة يجب على كلّ مكلّف أن يكون في جميع أفعاله مقلِّداً أو محتاطاً أو مجتهداً، فالموقفُ يحدّده المجتهد وهذه هي التوصية الأخيرة، لا نرتكب أخطاءً لأنّ هذه الأخطاء إذا تكرّرت وتراكمت فتصحيحها سوف يحتاج الى وقتٍ طويل، في الوقت الذي نرى أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) جاء وعلّم الناس فتح مشروعٍ تعليميّ طويل عريض، هذا معناه الفرصة التي تفرض على الناس، نعم.. حسّ الممانعة كان محفوظاً وحسّ الرفض يجب أن يكون محفوظاً، وعدم الذوبان مع الظالم لابُدّ أن يكون محفوظاً.



التوصية الثالثة: يجب أن يُرفق هذا بحسّ البناء ويجب أن نستثمر فرصة التعليم الى الآخر، يجب أن نستثمرها ونخرج من هذه الحالة الأمّيّة التي فرضتها علينا ظروفٌ معيّنة، ظروف اجتماعيّة أو ظروف سياسيّة وغيرها، الآن هي فرصتكم، متمنّياً لكم التوفيق في الموسم المقبل -موسم محرّم والأربعين- وشاكراً لكم حسن إصغائكم.

















تعليقات القراء
لايوجد تعليقات لعرضها
إضافة تعليق
الإسم:
الدولة:
البريد الإلكتروني:
إضافة تعليق ..: