السيّد محمد الموسوي: لا يُمكن لكلّ حركةٍ إصلاحيّة قياديّة توعويّة أن تنمو إلّا بارتباطها بالله سبحانه وتعالى...

خلال حفل اختتام المُلتقى الثقافيّ الثانيّ الموسوم بـ(ملتقى القمر)، والذي أقيم عصر يوم الثلاثاء (24ذي القعدة 1439هـ) الموافق لـ(7 آب 2018م) كانت هناك كلمةٌ للعتبة العبّاسية المقدّسة ألقاها بالنيابة من قسم الشؤون الدينيّة فيها السيد محمد الموسوي، وبيّن فيها: "لا يُمكن لكلّ حركةٍ إصلاحيّة قياديّة توعويّة أن تنمو إلّا بارتباطها بالله سبحانه وتعالى، لذلك كان النبيّ(صلّى الله عليه وآله) يستمدّ قوّته من السماء".
هذا وقد ابتدأ الموسوي كلمته بالقول: "في البدء نشكر الله سبحانه وتعالى الذي وفّقنا لإقامة مثل هذه المحافل المباركة، وكذلك نرفع أكفّنا لشكر كلّ من ساهم ولو بكلمةٍ لديمومتها، وكما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ)، كذلك نقدّم شكرنا للإخوة الأعزاء في قسم الشؤون الفكريّة والثقافيّة على كلّ ما بذلوه من ديموميّة واستمراريّة مثل هذه الملتقيات، كذلك نبارك للإخوة الأساتذة الأعزاء الذين يساهمون برفدها وديموميّة هذه الحلقة التواصليّة بين المجتمع والمؤسّسة الدينيّة".
وأضاف: "قال تعالى في كتابه الكريم بسم الله الرحمن الرحيم (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ)، أهمّ ما يمكن أن ينفع في صناعة الجيل القياديّ الرساليّ هو الاطّلاع والاستزادة والاستنارة من التجارب العريقة والعميقة التي خلّفها لنا التاريخ الإسلامي وغير الإسلامي في أعماق التاريخ، حيث نطّلع على كثير من التجارب الإصلاحية والتجارب القياديّة التي لا زال صداها ينعم ويصدح الى الآن، ويلتمس من كلّ من يدّعي القيادة والريادة والإصلاح ولو بعد حين يلتمس منه أن يطّلع على هذا التراث".
مبيّناً: "لمن يريد أن يُصلح وأن يكون قائداً في المجتمع ومصلحاً وشمعة تضيء الطريق دونكم تجارب الأنبياء المصلحين، هذا القرآن الذي بين أيدينا يذكر لنا الكثير من التجارب الإصلاحية والكثير من العراقيل التي واجهت المصلحين والمقوّمات المطلوبة من أجل القيادة الصحيحة، فلو اطّلعنا وإيّاكم على سيرة الأنبياء نجد في كلّ مقطع تاريخي هناك صولة ودولة وهناك صراع بين حقّ وباطل منذ زمن آدم والى زمن نبينا محمد(صلّى الله عليه وآله)، قابيل وهابيل، موسى وفرعون، عيسى وأصحابه وهكذا، لكن نجد أنّ بعض تلك الحركات الإصلاحيّة ثبّتها القرآن الكريم".
وأضاف الموسوي: "الأنبياء كثيرون ولكن لماذا يُذكر موسى في القرآن أكثر من مئة وخمسين مرّة؟ لماذا يُذكر ابراهيم، هنالك بعض الحركات القياديّة الإصلاحية استحقّت أن تُخلّد ويُكتب لها الخلود في قاموس الدار الدنيا، هنالك من يصارع دولة الباطل أربع سنين وهنالك من يصارع دولة الباطل أربعين سنة كعليّ ومعاوية، لكن هنالك من يصارع دولة باطل تحكم أربعمائة سنة كموسى وفرعون على سبيل المثال، وهكذا ابراهيم الذي كان وحيداً بمفرده وهكذا فتية الكهف وعيسى وهكذا جميع المصلحين، كيف استطاع هؤلاء المصلحون أن يقودوا أمّة كاملة ولكن تختزل كلّ تلك التجارب تجربةُ نبيّنا محمد(صلّى الله عليه وآله)".
وخاطب الحاضرين بالقول: "أدعوكم أعزّائي لقراءة سيرة العظماء من قادة المسلمين أنبياء ومصلحين وحكماء ممّن كتب لهم التاريخ الخلد وعلى رأسهم النبيّ الكريم(صلّى الله عليه وآله)، مختصر في تاريخ بسيط وبمدّة زمنيّة قصيرة كيف استطاع أن يُغيّر تلك الأمة الظلماء التي كانت تطوف حول الكعبة حفاة عراة، (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ)، كيف استطاع بتلك الفترة الزمنيّة القصيرة أن يغير أمّة كاملة (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)، واستطاع أن يكسر شوكة الروم والفرس ويثبت وجود دولة إسلامية، علماً أن النبي(صلّى الله عليه وآله) كان بمفرده، (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا)، نبيّنا استطاع أن يأتي بتجربة عمليّة من خلال ما كان يملكه من مقوّمات رياديّة قياديّة أهمّها شدّة ارتباطه بالله سبحانه وتعالى، لا يُمكن لكلّ حركة إصلاحية قياديّة توعويّة أن تنمو إلّا بارتباطها بالله سبحانه وتعالى، لذلك كان النبيّ(صلّى الله عليه وآله) يستمدّ قوّته من السماء، لا تظنّن أنّك لوحدك في يوم من الأيام تشعر بفقر بضعف، كلّا إنّ معي ربّي سيهديني، هذا منطق النبيّ(صلى الله عليه وآله) منطق التفاعل، هذه النقطة الأولى وهي شدّة الارتباط بالله سبحانه وتعالى، سبب للتقدّم وسبب لديمومية العطاء".
وتابع: "النقطة الثانية التي يركّز عليها القرآن أيضاً ألا وهي الخُلق الكريم، (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)، لذلك الصفة الثانية التي يجب أن يتحلّى بها المُصلح القائد هي حُسن الخُلق (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ)، أمّا النقطة الثالثة والأخيرة ألا وهي الاطّلاع والتعلّم والثقافة الدينيّة وغير الدينيّة، لابُدّ من الاطّلاع ولابدّ أن تسيطر بفكرك على الآخرين عندما تُطرح الشبهات أمامك لابدّ أن تمتلك المنطق البراهيني والمنطق الحسينيّ، لابدّ أن تمتلك البرهان في دحض تلك الشبهات وهي شبهات ليست بجديدة بل شبهات أكل الدهر عليها وشرب، كلّ ما في الأمر أنّنا لم نطّلع عليها فنتصوّر أنها جديدة لكنّها غير جديدة، وحصلت في زمان الإمام الصادق(عليه السلام) قال لأحد تلامذته: (قم وناظرهم إنّي لأحبّ أن يوجد من شيعتي مثلك)، الإنسان الذي يطّلع ويناظر ويتكلّم وهذه نقطة جداً أساسية أعزّائي".
مضيفاً: "اعلموا أخيراً أنّ كلّ حركة إصلاحية وكلّ عنصر قيادي فعّال في المجتمع لابدّ أن يجد من يعرقل سيرته، وهو امتحان واختبار ورفعة، لابدّ أن توجد هنالك عقبات توقّعْ ذلك كما توقّعها الحسين(عليه السلام) صاحب أعظم حركة إصلاحية، وكما حصلت في زمان رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، أتمنّى أعزائي أن تقرأوا المعارك التي خاضها رسول الله، بعضها انتصر وبعضها خسر، لماذا خسر النبي في معركة أحد اقرأوا التاريخ، يذكر لنا التاريخ سببان رئيسيّان لفشل كلّ حركة إصلاحيّة السبب الأوّل هو الدنيا وحبّ الدنيا والأطماع المادّية، والسبب الثاني مخالفة القائد، هذان السببان أدّا الى خسارة المسلمين في معركة أحد، كلّ من يدّعي الإصلاح سيجد عقبة أمامه لابُدّ أن يجتازها بإيمان ودعاء وتوكّل وعزيمة (يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)، مخالفة القائد نبيّاً كان أو إماماً أو مرجعاً مخالفة أمره تؤدّي الى الهلاك، وأخيراً ينتظر منك الإمام الحجّة(عجّل الله فرجه) بدورك تستطيع أن تُقدّم ساعة الظهور المقدّس من خلال نشاطك وعطائك".
اضافة تعليق
ملاحظة: التعليق يخضع لمراجعة الادارة قبل النشر
ارسال